الشيخ محمد رشيد رضا

242

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الرسول يوم يجمع اللّه الرسل فيقول ما ذا أجبتم ، وهذا التقدير أظهر وله في التنزيل نظائر . والمراد من السؤال توبيخ أممهم ، وإقامة الحجة على الكافرين منهم ، والمعنى أي إجابة أجبتم ؟ أإجابة إيمان وإقرار ، أم إجابة كفر واستكبار ؟ فهو سؤال عن نوع الإجابة لا عن الجواب ما ذا كان ، والا لقرن بالباء ، وقيل الباء محذوفة والتقدير بما ذا أجبتم . وهذا السؤال للرسل من قبيل سؤال المؤودة في قوله تعالى ( وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ ) في أن كلا منهما وجه إلى الشاهد دون المتهم لما ذكر آنفا من الحكمة ، وهو يكون في بعض مواقف القيامة ويشهدون على الأمم بعد التفويض الآتي أو عقب سؤال غير هذا ، ويسأل اللّه تعالى الأمم في موقف آخر أو في وقت آخر . كما هو شأن قضاة التحقيق في سؤال الخصم والشهود ، لتحقق شرائط الحكم الصحيح كما هو المعهود ، قال تعالى ( فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ * فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَما كُنَّا غائِبِينَ ) ولما كان تعالى يسأل كلا من الفريقين عما هو أعلم به منه ، وكان الرسل عليهم الصلاة والسّلام على علم يقيني بذلك - يكون جوابهم في أول العهد بالسؤال التبرؤ من العلم وتفويضه إلى اللّه تعالى - إما لنقصان علمهم بالنسبة إلى علمه تعالى كما نقل عن ابن عباس ، وإما لما يفاجئهم من فزع ذلك اليوم أو هوله أو ذهوله كما نقل عن الحسن ومجاهد والسدي . وذلك قوله تعالى قالُوا لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ جاء الجواب منصلا كسائر ما يأتي من أقوال المراجعة على طريقة الاستئناف البياني ، وعبر بالماضي عن المستقبل لتحقق وقوعه حتى كأنه وقع ، قال ابن عباس : يقولون للرب : لا علم لنا الأعلم أنت أعلم به منا . يعني انه ليس بنفي لعلمهم باطلاق وانما هو نفي لعلم الإحاطة الذي هو خاص بالخلاق العليم ، إذ الرسل كانوا يعلمون ظاهر ما أجيبوا به من مخاطبيهم ولا يعلمون بواطنهم ، ولا حال من لم يروه من أممهم ، الا ما يوحيه تعالى إليهم من ذلك وهو قليل من كثير ، ولذلك قرنوا نفي العلم عنهم باثبات المبالغة في علم الغيب له تعالى ، فان صيغة علّام معناها كثير العلم أي بكثرة المعلومات ، والا فعلمه واحد محيط بكل شيء إحاطة كاملة ، ولا يوصف تعالى بالعلّامة ، ولعله لما فيه من تاء